الشيخ محمد النهاوندي
583
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ حكى سبحانه لطفه بصالح بقوله : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى قبيلة ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً وكان ما ارسل به أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ولا تعبدوا غيره ، فآمن به جمع منهم فَإِذا هُمْ بعد هذه الدعوة فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ ويجادلون في صدق نبوته ودعواه التوحيد وكذبهما قالَ صالح - للفرقة المكذّبة القائلين له : ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ « 1 » - : يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ وتطلبون سرعة نزول العقوبة عليكم قَبْلَ الْحَسَنَةِ والتوبة لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ وهلّا تتوبون إليه قبل نزول العذاب ؟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ بقبولها وصرفه عنكم ، كيلا تعذّبون بل تنعمون . قيل : إنّهم كانوا يقولون من جهلهم وغوايتهم : إن أتيتنا بما تعدنا من العذاب تبنا حينئذ وإلّا فنحن على ما كنا عليه « 2 » ، فوبّخهم صالح على هذا القول ، وحثّهم على استعجال التوبة . وقيل : إنّ المعنى لم تسألون البلاء والعقوبة قبل سؤال العافية والرحمة ، ولم لا تقدّمون طلب الرحمة على طلب العقوبة « 3 » . ثمّ إنّهم بعد دعوة صالح بألطف بيان ونصحه لهم بأبلغ وجه ، عارضوه بأسوأ قول حيث قالُوا في جوابه : يا صالح إنا اطَّيَّرْنا وتشاء منا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ من المؤمنين حيث تتابعت علينا بعد دعوتك وإيمانهم بك الشدائد والبلايا . قيل : أنّهم قحطوا فقالوا : أصابنا هذا الشرّ من شؤمك وشؤم أصحابك « 4 » قالَ صالح : طائِرُكُمْ وما جاء به الشرّ إليكم كائن عِنْدَ اللَّهِ وسابق في علمه ، أو مكتوب في اللّوح المحفوظ ، وهو تقديره وإرادته ، أو عملكم الذي هو محفوظ عنده . ثمّ أضرب عليه السّلام عن إسناد شرّهم إلى الطائر الذي هو السبب لابتلائهم إلى الإسناد إلى الحكمة الداعية له بقوله : بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ بالبلايا وتختبرون بإنزال الشرور عليكم ، ليتّضح أنّكم ترتدعون عن الكفر والمعاصي أم لا ، وتنصرّفون عن قبائح الأعمال أم تديمون عليها ؟ أو المراد بل أنتم قوم تعذّبون على معاصيكم ، أو أنتم قوم تقعون في الفتنة بوسوسة الشيطان .
--> ( 1 ) . العنكبوت : 29 / 29 . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 6 : 290 ، تفسير روح البيان 6 : 355 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 6 : 355 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 6 : 356 .